المقريزي

896

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وتقدّم النصرانيّ فرأى موضعا بها يحتاج إلى قصريّة جير وأربع طوبات ، فبادر إلى عمل ذلك . وأقبل أحمد بن طولون يتأمّل العين ، فاستحسن جميع ما شاهده فيها ، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصريّة الجير ، فوقف بالاتّفاق عليها ، فلرطوبة الجير غاصت يد الفرس فيه فكبا بأحمد ، ولسوء ظنّه قدّر أن ذلك لمكروه أراد به النصرانيّ ، فأمر به فشقّ عنه ما عليه من الثّياب ، وضربه خمس مائة سوط ، وأمر به إلى المطبق ، وكان المسكين يتوقّع من الجائزة مثل ذلك دنانير ، فاتّفق له اتّفاق سوء . وانصرف أحمد بن طولون وأقام النصرانيّ ، إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع ، فقدّر له ثلاث مائة عمود ، فقيل له : ما تجدها ، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضّياع الخراب فتحمل ذلك ، فأنكره ولم يختره ، وتعذّب قلبه بالفكر في أمره . وبلغ النصرانيّ وهو في المطبق الخبر ، فكتب إليه : أنا أبنيه لك كما تحبّ وتختار بلا عمد إلّا عمودي القبلة ، فأحضره - وقد طال شعره حتى تدلّى على وجهه - فبناه « 1 » . قال : ولمّا بنى أحمد بن طولون هذه السّقاية . بلغه أنّ قوما لا يستحلّون شرب مائها . قال محمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم الفقيه : كنت ليلة في داري ، إذ طرقت بخادم من خدّام أحمد ابن طولون ، فقال لي : الأمير يدعوك . فركبت مذعورا مرعوبا ، فعدل بي عن الطريق ، فقلت : أين تذهب بي ؟ فقال : إلى الصّحراء والأمير فيها . فأيقنت بالهلاك ، وقلت للخادم : اللّه اللّه فيّ ، فإنّي شيخ كبير ضعيف مسنّ ، فتدري ما يراد منّي فارحمني . فقال لي : احذر أن يكون لك في السّقاية قول . وسرت معه وإذا بالمشاعل في الصّحراء ، وأحمد بن طولون راكب على باب السّقاية وبين يديه الشّمع ، فنزلت وسلّمت عليه ، فلم يردّ عليّ ، فقلت : أيّها الأمير إنّ الرّسول أعنتني وكدّني وقد عطشت ، فيأذن لي الأمير في الشّرب ، فأراد الغلمان أن يسقوني ، فقلت : أنا آخذ لنفسي فاستقيت وهو يراني ، وشربت وازددت في الشّرب حتى كدت أنشق ، ثم قلت : أيّها الأمير ، سقاك اللّه من أنهار الجنّة فلقد أرويت / وأغنيت ، ولا أدري ما أصف : أطيب الماء في حلاوته وبرده ، أم صفاءه ، أم طيب ريح السّقاية ؟ قال : فنظر إليّ وقال : أريدك لأمر وليس هذا وقته ، فاصرفوه ، فصرفت . فقال لي الخادم : أصبت . فقلت : أحسن اللّه جزاءك ، فلولاك لهلكت « 2 » .

--> ( 1 ) البلوي : سيرة أحمد بن طولون 180 - 182 . ( 2 ) لم أجد هذا النصّ فيما وصل إلينا من « السيرة -